السيد حسن القبانچي

50

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

يهتم بالنية هذه ويجعلها محورا تدور عليه أعمال العبد . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه » . فالنية الطيبة هي عنصر من عناصر التربية الخلقية التي تجعل الإنسان عضوا ممتازا في المجموعة الإنسانية ، وقد جعلها الإسلام الأصل في قبول الأعمال عند اللّه خالصة له ، وله بذلك السبق بأن أعلنها قبل أن يعلنها ( عمانويل كانت ) فيلسوف الأخلاق الألماني إذ قال : « إن حسن النية هو الكل في الكل في الأخلاق » . فالخير في الإسلام ليس خيرا إلا إذا كان عن نية طيبة خالصة لوجه اللّه ، والعنصر الطيب ليس طيبا إلا إذا استنار بأوامره . ولا شك أن هذا مذهب جليل في تقدير الرجال والأعمال ، يصحح الأوضاع ويسمو بالمجتمع إلى مستوى رفيع من الكمال ، إذ يجعل الأقوال والأعمال منوطة بغاية واحدة ومثل أعلى هو اللّه ، لا يحب ولا يبغض ولا يفعل ولا يترك إلا للّه ، واللّه لا يأمر إلا ما كان خيرا للشخص وللمجموعة الإنسانية « 1 » . الدعاء قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الدعاء مخ العبادة » وفي رواية « الدعاء هو العبادة » وتلا قوله تعالى : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ « 2 » . وليس المراد من الدعاء مجرد طلب الأشياء من اللّه باللسان فحسب ، بل المراد به حقيقته ، وهو أن يكون صادرا عن القلب معبرا عن الحاجة إلى من يملك إعطاء تلك الحاجة ، وهو أعم من أن يكون باللسان أو بالفعل متى كان يقصد طاعة اللّه أو التقرب إليه ونيل الأجر منه ، كالسعي لكسب الرزق والنذر والذبح وأنواع الصدقات ، وهو بهذا ينطوي على معان سامية هي لب لباب الإسلام ، وهي : 1 - معرفة اللّه بوصفه ربا خالقا لجميع الموجودات ، متصرفا في جميع الكائنات ، متصفا بصفات الكمال ، فلو لم تحصل هذه المعرفة لا يمكن أن يوجه إليه الدعاء ، لأن

--> ( 1 ) روح الدين الإسلامي . ( 2 ) سورة غافر ، الآية 60 .